هوشنك بروكا
هوشنك بروكا

مضى على سقوط شنكال في أيدي „داعش“ قرابة 7 أشهر، ولايزال الشنكاليون ومعهم عموم الكرد يسألون سؤالهم الكثير والكبير في آن، على أبواب كردستان، والذي ظلّ بدون جواب: لماذا سقطت شنكال خلال ساعات؟ لماذا انسحبت البيشمركة وكامل منظومة الدفاع الكردستانية بصفر مقاومة وصفر شهيد وصفر جريح وصفر أسير؟ لماذا كان لا بدّ للفرمان أن يكون وتكون النتيجة هكذا صادمةً وقاسية جداً إلى حدّ الجنون؟ لماذا كان لا بدّ لشنكال أن تسقط ويسقط معها الشنكاليون في محرقة „داعش“؟

لا جواب بالطبع، في „كردستان الفوق“، حتى اللحظة، على هذه الأسئلة وغيرها الكثير، ليس لأنّ „الفوق الكردي“ يجهله ولا يعرفه، أو لا يزال يبحث عنه أو يحقق فيه، وإنما لأنّ الجواب „مكلفٌ جداً“ عليه وعلى كردستان، من فوق البارتي الديمقراطي الكردستاني في شنكال إلى فوقه في هولير.

عقب سقوط شنكال بساعات، أمر الرئيس مسعود بارزاني بإعتباره „القائد الأعلى للبيشمركة“ ب“إستجواب ومحاسبة المسؤولين عن سقوط شنكال“ بينهم مسؤول فرع شنكال للحزب الديمقراطي الكردستاني، سربست بابيري، ومسؤول آسايش شنكال شوكت كانيكي، ومسؤول „الزيرفاني“ عزيزي ويس، وسعيد كيستَي. لكن ماذا كانت النتيجة؟

النتيجة مثلها مثل انسحاب منظومة الدفاع الكردستانية من شنكال في الثالث من أغسطس الماضي بصفر خسائر مادية وبشرية، انتهت ب“خروج“ سربست بابيري وشوكت كانيكي ورفاقهم من مصيف صلاح الدين إلى „صفر سجين“ و“صفر متهم“ و“صفر حكم“ و“صفر عدالة“. ما يعني أنّ شنكال ذهبت في مهب رياح „داعش“، ولا مسؤول واحد ولا حتى نصفه أو ربعه في كردستان عن سقوط شنكال بتلك الصورة التراجيدية والدراماتيكية بين فكي كماشة „داعش“ الإرهابية.

لا شكّ أنّ هذه النتيجة هي نتيجة طبيعية لا بل أكثر من طبيعية ل“عدالة“ كردستان التي يحكمها „الحزب القوي“ و“الدين القوي“ والعشيرة القوية“.

فمحاكم هذه „العدالة“ المفصلة كردياً، لم تشهد يوماً حكماً على „متهم“ كان وراءه هذا الثالوث الحاكم في كردستان (الحزب القوي والدين القوي والعشيرة القوية).

قلت مراراً ولا أزال أن كردستان هي لثلاث ل“الدين القوي“ و“العشيرة القوية“ و“الحزب القوي“.. قالوا: „أنت تكره كردستان“!

قلت مراراً ولا أزال أنّ كردستان في شنكال خانت كردستان، قالوا: „انت تخلق الفتنة بين كردستان وكردستان“!

قلت مراراً ولا أزال أنّ كردستان لن تعدم أحداً.. ولن تعاقب أحداً.. ولن تغلق الطريق أمام أحد لخاطر شنكال والشنكاليين.. قالوا: „لا تزايد على عدالة كردستان“!

قلت مراراً ولا أزال أنّ قرار الرئيس بارزاني ب“إستجواب وسجن“ المسؤولين عن سقوط شنكال، هو مجرّد حبر على ورق كردستان.. قالوا: „بارزاني خط أحمر كردي.. هو إله أكبر من كردستان“!

والآن.. بعد حوالي سبعة أشهر من فرمان شنكال، عادت كردستان الفوق كما كانت.. عاد كلّ شيء في الفوق كما كان!

الآن شيخان 2007 تكرر نفسها في شنكال 2014!

الآن سربست بابيري، الرئيس الأسبق لفرع شنكال للحزب الديمقراطي الكردستاني، وشوكت كانيكي، مسؤول أسايش شنكال السابق، إبان احتلال „داعش“ لشنكال وجميع رفاقهم طلقاء.. طلقاء.. طلقاء!

الآن.. المسؤولون من كردستان إلى كردستان عن سقوط شنكال طلقاء.. فيما شنكال في كردستان لا زالت „متهمة“!

سربست بابيري كان واضحاً وصادقاً مع نفسه عندما صرّح أكثر من مرّة، بأنه „لم ينسحب من شنكال بدون علم القيادة.. الكلّ (بينهم نجل بارزاني الأكبر مسرور)، بحسب بابيري، كان على علم بما يجري في شنكال على مدار الساعة“. ما يعني أنّ الفوق الكردي هو من أمر قواته بالإنسحاب، وهو من أشرف على عملية الإنسحاب من الألف إلى الياء، والدليل هو براءة بابيري وكلّ رفاقه القادة الميدانيين في شنكال ودهوك، وخروجهم جميعاً من القضية بصفر اتهام وصفر دليل وصفر حكم.

والمفارقة الأكبر، ههنا، هي كيف نفسّر إطلاق „عدالة“ كردستان سراح المسؤولين „المتهمين“ عن سقوط شنكال بصفر حكم، في الوقت الذي تشهد العدالة ذاتها وفي كردستان ذاتها، سجن للعشرات من النازحين الإيزيديين على خلفية التظاهر والتعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق في مخيم „باجد كندالة“ غربي مدينة زاخو لأجل زيادة حصتهم من الخبز والصمون؟

هناك في مصيف صلاح الدين، أطلقت العدالة الكردية سراح جميع من كانوا متهمين بالإنسحاب المفاجئ من شنكال ما أدى إلى حدوث ما حدث. أما هنا في سجون كردستان، تقبض العدالة ذاتها على عشرات الإيزيديين النازحين المطالبين بالحد الأدنى من المعيشة في مخيمات كردستان، بتهم كبرى مثل „الإخلال بالأمن العام“ و“التحريض“ و“خلق الفتن“ وما إلى ذلك من تهم جاهزة.

شنكال بكلّ أسف سقطت.

هي لم تسقط في دولة الغرباء أو دولة „داعش“ فحسب، وإنما سقطت في دولتها كردستان أيضاً.

هي سقطت مرتين؛ مرّة هناك في إرهاب داعش لكونها „كافرةً أصيلة“، وأخرى ههنا في عدالة كردستان، في كونها „كرديةً أصيلة“!

هوشنك بروكا

hoshengbroka@hotmail.com