هوشنك بروكا
هوشنك بروكا

بدايةً وكما دائماً، لا بدّ من التذكير بالدور الكبير الذي لعبته النائب الإيزيدي في البرلمان العراقي فيان دخيل، في بداية الجينوسايد الذي طال الإيزيديين بعد الثالث من أغسطس الماضي، لإيصال صوت أبناء جلدتها الإيزيديين إلى العالم، وذلك عبر الرسالة الإنسانية التي أوصلتها إلى كلّ من يهمه الأمر أو لا يهمه، عبر دموعها التي أبكت الملايين. فهذه نقطة أكثر وأبعد من إيجابية تُسجّل لها. لكنّ ذلك لا يعني البتّة محو أخطاءها بدموعها، خصوصاً عندما تتعلق هذه الأخطاء بقضية بكت عليها ولأجلها.

المتتبع لمواقف السيدة دخيل في الآونة الأخيرة سيلحظ دون بذل عناء كبير، أنها تحوّلت إلى مجرد „جوكر إيزيدي“ تحت الطلب على طاولة هولير، فهي كلما تحدثت لوسائل الإعلام أو تبنّت موقفاً ما من قضية الإيزيديين، فهي لا تتوانى عن إخفاء أخطاء هولير وراء أخطاء بغداد، وحجب تقاعس الرئيس مسعود بارزاني في „فضيحة شنكال“ بإعتباره رئيساً لكردستان و“قائداً أعلى للبيشمركة“ بتقاعس نوري المالكي في „فضيحة الموصل“ بإعتباره رئيساً سابقاً للوزراء و“قائداً أعلى للقوات المسلحة“. فلم يصدر عنها حتى الآن أي تصريح ولا حتى نصفه، بخصوص فضيحة انسحاب البيشمركة مع كامل منظومة الدفاع الكردستانية من شنكال في الثالث من أغسطس الماضي، التي عقبت فضيحة انسحاب كامل المنظومة الدفاعية العراقية من الموصل، في التاسع من يونيو حزيران الماضي. علماً أنّ الخسائر البشرية والمادية والمعنوية بين أبناء جلدتها الإيزيديين في شنكال أكبر بكثير من تلك التي حدثت في الموصل.

سياسياً، من حقها بالطبع أن تكون مع حزبها كما تشاء، وأن تدافع عن الآيديولوجيا التي تشاءها في الوقت الذي تشاء، لكنّ أن تصف نفسها كلّما أدلت بتصريحٍ لوسيلة إعلامية ب“الممثلة الإيزيدية الوحيدة عن المكوّن الإيزيدي في مجلس النواب العراقي“، وأن تتحدث لجميع وسائل الإعلام وكأنها „الممثلة الشرعية الوحيدة“ للإيزيديين ومفتاح قضيتهم في كردستان والعراق، فهذا يحتاج إلى أكثر من لفت نظر، وأكثر من وجهة نظر، وأكثر من نقد.

من حق السيدة دخيل، بإعتبارها „سيدة بارتية بارزانية“ حتى العظم، أن تفتخر بحزبها ورئيس حزبها وقائمة حزبها وآيديولوجيا حزبها وكردستان حزبها، ولكنّ من حق الإيزيديين أيضاً أن يقولوا في حزبها، الذي „خانهم“ بحسب التوصيف المحلي الدارج للشنكاليين، وأنّ يسألوا سؤالهم الكبير كما يشاؤون: لماذا انسحبت المنظومة الدفاعية الكردستانية بكامل عديدها وعتادها من شنكال خلال ساعات بصفر شهيد وصفر جريح وصفر خسائر، ما أدى إلى وقوع الفرمان ال74؟

بعد محاولتها خلق صراع „إيزيدي ـ عربي سنّي“ مع نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي قبل أسابيع، وذلك من خلال إدلائها بتصريحات „ضد ـ عربية سنّية“، وتحويل الصراع في شنكال لكأنه صراع“ „إيزيدي ـ عربي سني“، علماّ أنّ ما فعله بعض أبناء العشائر الكردية السنية من أعمال إرهابية بالإيزيديين في شنكال لا يقل إطلاقاً عما قام به بعض أبناء العشائر العربية السنية، خرجت علينا دخيل أمس (20.02.2015، العدد 9834، الصفحة 3) في تصريحٍ لها لصحيفة „العرب“ الدولية، لتعكس „مخاوف لدى الإيزيديين من انتقام الميلشيات الشيعية منهم، على خلفية ما هو مترسخ في الثقافة الشعبية للشيعة من ربط مأتاه خلط تاريخي بين الإيزيديين ويزيد بن معاوية الذي يرتبط في الذهنية الشيعية بمقتل الحسين“، بحسب الصحيفة. والغريب أن الصحيفة اختزلت موقف كلّ الإيزيديين في موقف السيدة دخيل قائلةً، أن „موقف فيان الدخيل يعكس رأياً سلبياً سائداً بين إيزيديي العراق بشأن قوات الحشد الشعبي سبق وأن عبّرت عدة شخصيات إيزيدية من بينها عضو البرلمان الكردستاني وممثل الإيزيديين شيخ شامو الذي قال في تصريحات صحفية „أننا كمكوّن إيزيدي نرفض أي تدخل خارجي في شئون الإيزيديين، هناك قوة تحمينا وتقوم بواجبها وهي قوات البيشمركة ونحن لسنا بحاجة إلى أي قوة أخرى“.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ههنا، هو: ما فائدة الإيزيديين (وهي التي تصف نفسها ب“الممثلة الوحيدة للمكون الإيزيدي في البرلمان العراقي“) بهكذا تصريحات نارية وخطيرة، من شأنها أن تخلق الفتنة بين المكوّن الإيزيدي والمكوّنات الأخرى، سنيّةً كانت أو شيعية؟

ثم أين كانت البيشمركة، وإلى أين هربت، عندما وقعت شنكال في أيدي قوات „داعش“، ما أدى إلى قتل وذبح الآلاف من الإيزيديين، وسبي حوالي خمسة آلاف إمرأة، وتشريد ونزوح أكثر من أربعمئة ألف إيزيدي.

قبل ثلاثة أسابيع أو يزيد أشعلت البرلمانية دخيل ناراً كادت أن تخلق فتنةً „إيزيدية ـ عربية سنّية“، والآن تخرج علينا السيدة ذاتها ومن هولير ذاتها، لتشعل ناراً قد تخلق فتنةً „إيزيدية ـ شيعية“.

قبل أن تدلي السيدة دخيل بهكذا تصريحات نارية، عليها أن تدرك خطورة ما تقوله، في وقت نعلم وتعلم السيدة دخيل جيداً أن المراجع الشيعية وعلى رأسها المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني قد أفتوا ب“حرمة الدم الإيزيدي“، وقد أكد السيستاني أكثر من مرّة أن „دم الإيزيديين أمانة في أعناق العراقيين“.

بعد كل هذا التفهم الشيعي لمأساة الإيزيديين وقضيتهم، وبعد كلّ هذا التعاطف الشيعي مع الإيزيديين في فرمانهم الأخير، لا أدري ما هو محل تصريح السيدة دخيل من الإعراب في القضية الإيزيدية؟

ولا أدري عن أية „خلفية مترسخة في الثقافة الشعبية للشيعة“ تتحدث السيدة دخيل، بعد أن عبّر المرجع الشيعي الأعلى إلى جانب مراجع شيعية أخرى في العراق عن كامل تضامنهم مع القضية الإيزيدية، وأفتوا ب“حرمة الدم الإيزيدي“؟

هل نعتبر تصريح السيدة دخيل „صدفة سياسية“ أو „صدفة إعلامية“، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

أعتقد أن تصريح السيدة دخيل، يحمل في طياته موقف هولير وعلى رأسه موقف الرئيس بارزاني من „الميليشيات الشيعية“ وأولها „قوات الحشد الشعبي“، المرفوضة جملةً وتفصيلاً من قبل الفوق الكردي، وهو ما تبيّن في أكثر من تصريح لأكثر من مسؤول كردي كبير، خصوصاً لجهة تدخل بغداد في كركوك. ولا يفوتنا هنا أن نذكّر ب“مؤتمر هولير“ السني الذي عُقد في ال18 من ديسمبر كانون الأول الماضي، والذي كان الهدف الأساس منه هو تشكيل „جيش سنّي“ قوامه 100 ألف جندي، لكنّ الخلافات بين القوى السنيّة أدت إلى عدم بلوغ المؤتمر أهدافه.

والسؤال هنا هو، لماذا وقفت وتقف هولير مع „الجيش السنّي“، بينما ترفض“ „قوات الحشد الشعبي“ الشيعية؟

من حق السيدة دخيل أن تدلي بدلوها في أي موقف سياسي، أو أية قضية سياسية، بما فيها قضية „الميليشيات الشيعية“ التي تقول أن „الإيزيديين لا يحتاجون إليها“، لكن أن تربط هذه القضية السياسية بقضايا مذهبية تاريخية وعقائدية من شأنها أن تخلق فتن طائفية بين الإيزيديين والشيعة، لا طائل منها، فهذا ليس من حقها ولا من حق أي أحد فالفتنة فتنة، وهي أشدّ من القتل كما يُقال، من أيّ كان وأياً كانت جهتها، خصوصاً وأنّ العلاقة بين الإيزيديين والشيعة ليست بالشكل المخيف الذي عكسته السيدة دخيل في تصريحها إطلاقاً، والدليل هو تعاطف الشيعة مع الإيزيديين وإفتاء مراجعهم الدينية ب“حرمة الدم الإيزيدي“ وضرورة حمايتهم كأقلية دينية في العراق لها ما لها وعليها ما عليها، ناهيك عن وقوفهم مع حقوق الإيزيديين في دفاعهم عن مناطقهم ضمن إطار قوة خاصة تجمعهم تحت لواء واحد.

من حق السيدة دخيل أن تكون حزبها ومع حزبها كما تشاء وفي الوقت الذي تشاء، لكن السؤال المحيّر ههنا، هو لماذا تتحوّل دخيل وهي „الكردية الأصيلة“ إلى „جوكر إيزيدي“ تحت الطلب „ضد الإيزيديين“ على طاولة هولير الكردية؟

من حق السيدة دخيل أن تلعب في السياسة وبها، في الملعب الذي تشاء، للحزب الذي تشاء وضد الجهة التي تشاء، لكن أن تكون مع الإيزيديين، وهي „الممثلة عن المكون الإيزيدي“، كما تقول، وتكون ضدهم في آن، فهذا يترك وراءه أكثر من إشارة إستفهام وتعجب!

هوشنك بروكا

hoshengbroka@hotmail.com